* عن إسحاق بن إبراهيم قال : قال رجل للفضيل : كيف أصبحت يا أبا علي ؟ ـ فكان يثقل عليه : كيف أصبحت ، وكيف أمسيت ـ فقال : في عافية .
فقال : كيف حالك ؟
فقال : عن أي حال تسأل ؟ عن حال الدنيا ، أو حال الآخرة ؟ إن كنت تسأل عن حال الدنيا : فإن الدنيا قد مالت بنا ، وذهبت بنا كل مذهب ؛ وإن كنت تسأل عن حال الآخرة : فكيف ترى حال من كثرت ذنوبه ، وضعف عمله ، وفـني عمره ، ولم يتزود لـمعاده ، ولم يتأهب للموت ، ولم يخضع للموت ، ولم يتشمر للموت ، ولم يتزين للموت ، وتزين للدنيا ، هيه. ـ وقعد يحدث ، يعني : نفسه ـ : واجتمعوا حولك يكتبون عنك ، بخ ، فقد تفرغت للحديث ؛ ثم قال: هاه ، وتنفس طويلاً : ويحك، أنت تحسن تحدث ؟ أو أنت أهل أن يحمل عنك ؟ استحيي يا أحمق بين الحمقان ؛ لولا قلة حيائك ، وسفاهة وجهك : ما جلست تحدث ، وأنت أنت ؛ أما تعرف نفسك ؟ أما تذكر ما كنت وكيف كنت ؟ أما : لو عرفوك ، ما جلسوا إليك ، ولا كتبوا عنك ، ولا سمعوا منك شيئاً أبداً .
فيأخذ في مثل هذا ؛ ثم يقول : ويحك ، أما تذكر الموت ؟ أما للموت في قلبك موضع ؟ أما تدري متى تؤخذ ، فيرمى بك في الآخرة ، فتصير في القبر وضيقه ووحشته ؟ أما رأيت قبراً قط ؟ أما رأيت حين دفنوه ؟ أما رأيت كيف سلوه في حفرته ، وهالوا عليه التراب والحجارة ؟ .
ثم قال : ما ينبغي لك أن تتكلم بفمك كله ـ يعني نفسه ـ ؛ تدري من تكلم بفقه كله ؟ عمر بن الخطاب : كان يطعمهم الطيب ، ويأكل الغليظ ؛ يكسوهم اللين ، ويلبس الخشن ؛ وكان يعطيهم حقوقهم ، ويزيدهم ؛ أعطى رجلاً عطاءه : أربعة آلاف درهم ، وزاده ألفاً ؛ فقيل له : ألا تزيد أخيك كما زدت هذا ؟ قال : إن أبـا هذا ثبت يـوم أحد ، ولم يثبت أبو هذا .
(8/85ـ86)
* قيل للفضيل بن عياض : يا أبا علي ، ما بال الميت : ينزع نفسه وهو ساكت ، وابن آدم : يضطـرب من القرصة ؟ قال : لأن الملائكة توثقه ؛ ثم قرأ : } تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ { [ الأنعام : 61] . (8/111)
* عن محمد بن النضر الحارثي قال : شغل الموت قلوب المتقين عن الدنيا ؛ فوالله ، ما رجعوا منها إلى سرور ، بعد معرفتهم بكربه وغصصه .
(8/218)
* عن ابن المبارك قال : كان محمد بن النضر إذا ذكر الموت : اضطربت مفاصله ، حتى تتبين الرعدة فيها .
(8/218)
* قال سفيان الثوري : قال لي أبو حبيب البدوي : يا سفيان ، هل رأيت خيراً قط إلا من الله ؟ قلت : لا ؛ قال : فلم تكره لقاء من لم تر خيراً قط إلا منه ؟ .
(8/287)
* كانوا يعودون على بن الفضيل وهو بمنى ؛ فقال : لو ظننت أني أبقى إلى الظهر : لشق علي .
(8/299)
* عن بشر بن الحارث قال : إذا اهتممت لغلاء السعر : فاذكر الموت ، فإنه يذهب عنك هم الغلاء .
(8/347)
* عن بشر بن الحارث قال : إذا ذكرت الموت : ذهب عنك صفوة الدنيا وشهواتها ، وذهبت عنك شهوة الجماع : عند ذكر الموت .
(8/347)
* عن بشر بن الحارث قال : ليس أحد يحب الدنيا: إلا لم يحب الموت، وليس أحد يزهد في الدنيا : إلا أحب الموت ؛ حتى يلقى مولاه . (8/348)
* عن عبد الرحمن بن عمر قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي ، وسئل عن الرجل يتمنى الموت ؛ قال : ما أرى بذلك بأساً : إذ يتمنى الموت الرجل ، مخافة الفتنة على دينه ؛ ولكن : لا يتمنى الموت من ضربه ، أو فاقة ، أو شيء مثل هذا ؛ ثم قال عبد الرحمن : تمنى الموت أبو بكر وعمر ، ومن دونهما ؛ وسمعته ونحن مقبلون من جنازة عبد الوهاب ؛ فقال : إني لأشم ريح فتنة ، إني لأدعو الله أن يسبقني بها ؛ وسمعته يقول : كان لي أخوان ، فماتوا ، ودفع عنهم شر ما نرى ، وبقينا بعدهم ؛ وما بقي لي أخ ، إلا هذا الرجل : يحيى بن سعيد ؛ وما يغبط اليوم : إلا مؤمن في قبره .
(9/13)
* عن عبد الله ، قال في موت الفجأة : تخفيف على المؤمن ، وأسف على الكافر .
(9/56)
* وسمعـته يقول : تمنيت الـموت وهذا أمر أشد علي من ذلك فتنة الدين ، الضرب والحبس كنت أحمله في نفسي ، وهذا فتنة الدنيا .
(9/184)
* عن أبي سليمان الداراني قال : ينبغي للعبد المعني بنفسه : أن يميت العاجلة الزائلة ، المتعقبة بالآفات من قلبه : بذكر الموت ، وما وراء الموت من الأهوال والحساب ، ووقوفه بين يدي الجبار . (9/266)
* عن سلمة الغويطي قال : إني لمشتاق إلى الموت منذ أربعين سنة ، منذ فارقت الحسن بن يحيى ؛ قلت له : ولم ؟ قال : لو لم يشتق العاقل إلى لقائه عز وجل ، لكان ينبغي له أن يشتاق إلى الموت .
قال : فحدثت به أبا سليمان ؛ فقال : ويحك ، لو أعلم أن الأمر كما يقول : لأحببت أن تخرج نفسي الساعة ؛ ولكن : كيف بانقطاع الطاعة ، والحبس في البرزخ ، وإنما يلقاه بعد البعث ؛ قال أحمد : فهو في الدنيا أحرى أن يلقاه ـ يعني : بالذكر ـ .
(9/277)
* قال أبو سليمان الداراني : طوبى : لمن حذر سكرات الهوى ، وسورة الغضب والفرح : بشيء من الدنيا ، فصبر على مرارة التقوى .
وطوبى : لمن لزم الجادة : بالانكماش والحذر ، وتخلص من الدنيا : بالثواب والهرب ، كهربه من السبع الكلب .
طوبى : لمن استحكم أموره : بالاقتصاد ، وأعتقد الخير : للمعاد ، وجعل الدنيا : مزرعة ، وتنوق في البذر : ليفرح غداً بالحصاد .
طوبى : لمن انتقل بقلبه من دار الغرور ، ولم يسع لها سعيها : فيبرز من حظوات الدنيا وأهلها منه على بال ، اضطربت عليه الأحوال .
من ترك الدنيا للآخرة : ربحهما ، ومن ترك الآخرة للدنيا : خسرهما ؛ وكل أم يتبعها بنوها : بنو الدنيا : تسلمهم إلى خزي شديد ، ومقامع من حديد ، وشراب الصديد ؛ وبنو الآخرة : تسلمهم إلى عيش رغد ، ونعيم الأبد ؛ في ظل ممدود ، وماء مسكوب ، وأنهار تجري بغير أخدود .
وكيف يكون حكيماً : من هو لها يهوى ركون ؟ وكيف يكون راهباً : من يذكر ما أسلفت يداه ولا يذوب .
الفكر في الدنيا : حجاب عن الآخرة ، وعقوبة لأهل الولاية ؛ والفكرة في الآخرة : تورث الحكمة ، وتحي القلب ؛ ومن نظر إلى الدنيا مولية : صح عنده غرورها ، ومن نظر إليها مقبلة بزينتها : شاب في قلبه جبها ، ومن تمت معرفته : اجتمع همه في أمر الله ؛ وكان أمر الله شغله .
(9/278)
* عن أبي عبد الله الساجي قال : وقف أعرابي على أخ له حضري ؛ فقال الحضري : كيف تجدك أبا كثير ؟ قال : أحمد الله ، أي أخي : ما بقاء عمر تقطعه الساعات ، وسلامة بدن معرض للآفات ؟ ولقد عجبت للمؤمن : كيف يكره الموت ، وهو سبيله إلى الثواب ؟ وما أرانا إلا سيدركنا الموت ، ونحن أبق .
(9/312)
يتبع