* قيل لأبي الفيض ذي النون : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت تعباً إن نفعني تعبي ، والموت يجد في طلبي .
وقيل له : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت مقيماً على ذنب ونعمة ، فلا أدري : من الذنب أستغفر ، أم على النعمة أشكر ؟
وقيل له : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت بطالاً عن العبادة ، متلوثاً بالمعاصي ؛ أتمنى منازل الأبرار ، وأمل عمل الأشرار .
(9/351)
* عن أبي سليمان قال : مررت في جبل اللكام في جوف الليل ، فسمعت رجلاً يقول في دعائه : سيدي ، وأملي ، ومؤملي ، ومن به تم عملي : أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك ، وأعوذ بك من قلب لا يشتاق إليك ، وأعوذ بك من دعاء لا يصل إليك ، وأعوذ بك من عين لا تبكي إليك علمت أنه عرف .
فقلت : يا فتى ، إن للعارفين مقامات ، وللمشتاقين علامات .
قال : ما هي ؟
قلت : كتمان المصيبات ، وصيانات الكرامات .
ثم قال لي : عظني .
قلت : اذهب ، فلا ترد غيره ، ولا ترد خيره ، ولا تبخل بشيئه عنه .
قال : زدني .
قلت : اذهب ، فلا ترد الدنيا ، واتخذ الفقر غنى والبلاء من الله : شفاء ، والتوكل : معاشاً ، والجوع : حرفة ؛ واتخذ الله لكل شدة عدة .
فصعق صعقة ، فتركته في صعقته ، ومضيت ؛ فإذا أنا برجل نائم ، فركضته برجلي ؛ فقلت له : قم يا هذا ، فإن الموت لم يمت .
فرفع رأسه إلي ، فقال : إن ما بعد الموت أشد من الموت .
فقلت له : من أيقن بما بعد الموت : شد مئزر الحذر ، ولم يكن للدنيا عنده خطر ، ولم يقض منها وطرا .
(10/21)
* سئل الحارث بن أسد عن مقام ذكر الموت : ما هو عندك ؟ مقام عارف ، أو مستأنف ؟
فقال : ذكر الموت أولاً : مقام المستأنف ، وآخر : مقام العارف .
قيل له : بين ، من أين قلت ذلك ؟
قال : نعم ، أما المستأنف : فهو المبتدئ ، الذي يغلب على قلبه الذكر ، فيترك الزلل مخافة العقاب ؛ فكلما هاج ذكر الموت من قلبه : ماتت الشهوات عنده ؛ وأما العارف : فذكره للموت محبة له : اختياراً على الحياة ، وتبرماً بالدنيا الـتي قد سلا قلبه عنـها شوقاً إلى الله ولقائه : رجاء أمل النظر إلى وجهه ، والنزول في جواره : لما غلب على قلبه من حسن الظن بربه ؛ كما قيل :
طال شوق الأبرار إلى الله والله إلى لقائهم أشوق
قيل له : فكيف نعت ذكر الموت في قلب المستأنف وقلب العارف ؟
قال : المستأنف ، إذا حل بقلبه ذكر الموت : كرهه ، وتخير البقاء : ليصلح الزاد ، ويرو الشعث ، ويهيئ الجهاز للعرض والقدوم على الله ؛ ويكره أن يفاجئه الموت : ولم يقض نهمته في التوبة ، والاجتهاد ، والتمحيص ؛ فهو يحب أن يلقى الله على غاية الطهارة .
وأما نعته في قلب العارف : فإنه ، إذا خطر ذكر ورود الموت بقلبه : صادقت منه موافق مراده ، وكره التخلف في دار العاصين ، وتخير سرعة انقضاء الأجل ، وقصر الأمل ؛ فقيرة إليه نفسه ، مشتاق إليه قلبه ؛ كما روي عن حذيفة بن اليمان حين حضره الموت ، قال : حبيب جاء على فاقة ، لا أفلح من ندم ، اللهم ، إن كنت تعلم أن الموت أحب إلي من الحياة : فسهل علي الموت حتى ألقاك .
(10/91)
* قال الجنيد بن محمد : كنت أعود السرى في كل ثلاثة أيام ، عيادة السنة ؛ فدخلت عليه وهو يجود بنفسه ، فجلست عند رأسه ، فبكيت ، وسقط من دموعي على خده ؛ ففتح عينيه ، ونظر إلى ؛ فقلت له : أوصني ؛ فقال : لا تصحب الأشرار ، ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأخيار .
(10/125)
* مر حكيم من الحكماء بفتية من الحلماء وهم قعود على روضة معشبة ؛ فقال : يا معشر الأحياء ، ما يوقفكم بمدرجة الموتى ؟ قالوا : قعدنا نعتبر .
قال : فإني أعيذكم بالذي نالكم الحياة في زمن الموتى ، إلا تركنوا إلى ما رفضه من أنالكم الحياة .
(10/142ـ143)
* قال محمد بن إسحاق: وقال رجل من عبد القيس: أين تذهبون ؟ بل ، أين يراد بكم ؟ وحادي الموت في أثر الأنفاس حثيث موضع ، وعلى احتياج الأرواح من منزل الفناء إلى دار البقاء مجمع ، وفي خراب الأجساد المتفكهة بالنعيم مسرع .
(10/151)
* عن عبد الله بن خبيق قال : دخل الطبيب على يوسف بن أسباط وأنا عنده ؛ فنظر إليه ، فقال : ليس عليك بأس ؛ فقال : وددت أن الذي تخاف علي كان الساعة .
(10/170)
* قال أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادي : من استشعر الموت : حبب إليه كل باق ، وبغض إليه كل فان ؛ ومن استوحش من نفسه : أنس قلبه بموافقة مولاه .
(10/322)
* عن يحيى بن كثير قال : خطب أبو بكر الصديق ، فقال : أين الوضأة الحسنة وجوههم ، المعجبون بشبابهم ؟ أين الذين بنوا المدائن ، وحصنوها بالحيطان ؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب ؟ تضعضع بهم الدهر ، فأصبحوا في ظلمات القبور ؛ الوحا الوحا ، ثم النجاء النجاء .
(10/325)
يتبع
,
|