عرض مشاركة واحدة
#1  
قديم 01-05-2010, 04:22 PM
بداح فهد السبيعي
(*( مشرف )*)
بداح فهد السبيعي غير متصل
Saudi Arabia    
لوني المفضل Blueviolet
 رقم العضوية : 1871
 تاريخ التسجيل : Aug 2008
 فترة الأقامة : 6399 يوم
 أخر زيارة : 26-05-2017 (10:32 PM)
 العمر : 43
 الإقامة : رماح
 المشاركات : 2,187 [ + ]
 زيارات الملف الشخصي : 35455
بيانات اضافيه [ + ]
الطباع وفلسفة العودة إلى الأصول



مقال للكاتب المبدع عبدالعزيز القاضي نُشر في صفحة (مدارات شعبية) بجريدة الجزيرة قبل أيام، أعجبني فأحببت أن أنقله لمن فاته الاطلاع عليه:


الطباع وفلسفة العودة إلى الأصول


قال المرحوم عبدالله اللويحان:


الحنظلة لو هي على وادي النيل

زادت مرارتها القديمة مرارة

والحنظل هو الاسم الفصيح لما يُعرف في الجزيرة العربية بالشَّرِي, وهو نبات صحراوي معروف بشدة المرارة, ووادي النيل المقصود به نهر النيل, وتسمية النيل واديا لا نهرا متداولة معروفة.. والبيت سار مسير المثل, وقد فطن قائله إلى جماله واتصافه بصفات المثل فقال بعده:

هذا مثل يا فاهمين التماثيل

كلٍّ يجي شعره بحسب اقتداره

وترجع أهمية البيت بعد حلاوته, وعمق معناه, إلى أنه يشير إلى مسألة فلسفية نوقشت قديما وحديثا, وهي مسألة «طبيعة الأشياء». فقد نُقل عن أرسطو قوله «إن الأشياء تعود إلى أصولها», وهذه هي سنة الله في خلقه {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (62) سورة الأحزاب. فالحنظلة كما رآها الشاعر تبقى حنظلة مُرَّة, مهما نبتت في الخصيب من التربة, وسقيت بالعذب من الماء, وتشبعت باللطيف من الهواء, لأن المرارة من طبيعتها وأصلها الذي خلقها الله عليه.

والشاعر يقرر هنا عن طريق التشبيه الضمني حقيقة تقول إن طباع البشر لا تتغير, حُسْنًا أو قُبْحًا مهما اختلفت الظروف والأحوال, فالإنسان الطيب يبقى طيّبا, واللئيم يبقى لئيما, والمجنون يظل مجنونا.. وهكذا, ومهما حاول الإنسان أن يتقمص صفات ليست فيه فإنه لن يستطيع, لأن الأصل جذاب, والطبيعة ردادة. ولهذا فإن محاولات تقمص الطباع والسجايا الجميلة, ما هي إلا محاولات فاشلة, لأنها تروم مخالفة الطبيعة, وعكس ناموس الحياة. ولا يستطيع الإنسان مهما أوتي من قوة أن يُغير الطبع, قال الشاعر:

ومكلّف الأشياء ضد طباعها

متلمّس في الماء جذوة نار!

وقال الآخر:

كل امرئ راجعٌ يوما لشيمته

وإن تخلّق أخلاقا إلى حين

والعامة تقول «الكلب كلب ولو طوّق بالذهب» وتقول أيضا «الحمار حمار ولو تربى بين الخيول» وهذا يعنى أن التجمّل والبيئة والتغذية والمخالطة والتعليم لا تُغيّر الأصل, ولا تُخلف الطبيعة التي أوجدها الله في مخلوقاته.. وفي هذا المعنى أيضا قال الشاعر العربي على سبيل الطرفة:

ولو لبس الحمار ثياب خزٍّ

لقال الناس يا له من حمار!

أي أن تجمله بلبس الحرير رفعه في محيطه لكنه لم ينقله إلى محيط آخر أعلى منه.. وقال الآخر:

الليلُ ليلٌ.. والنهارُ نهارٌ

والبغلُ بغلٌ والحمارُ حمارُ

والديكُ ديكٌ والدجاجة مثله

فكلاهما طيرُ له منقار!

والبيتان وإن كان ظاهرهما الدعابة, وفراغ المحتوى, إلا أنهما حين النظر إليهما من زاوية هذه الفلسفة التي تتناول «طبائع الأشياء» يبدوان ذوي معنى جاد لا هازل, وهو أن هذه الأشياء المذكورة يختلف كل منها عن الآخر اختلاف أصل وطبيعة, وأنه ينبغي التعامل معها انطلاقا من هذا المبدأ.. وفي مثل هذا جاء اللغز النحوي في البيت:

لا يكون العير مُهْرًا

لا يكون, المُهْر مُهْرُ!

على أساس أنَّ عبارة (لا يكون) الثانية توكيد لفظي للأولى, وجملة (المُهْرُ مُهْرُ) مستأنفة. والعير هو الحمار, والمهر ولد الفَرَس. وقوله (المُهْرُ مُهْرُ) تأكيد لاختلاف هذين الحيوانين في الأصل والطبيعة والتكوين, وهذا الاختلاف سنة قضتها إرادة الباري وحكمته جل وعلا, والسنن والطبائع كما يقول الأستاذ الدكتور عبدالكريم بكار فطرية خَلقية, غير مكتسبة ولا مصنوعة، فمن طبيعة النار مثلاً الإحراق، ومن طبيعة الماء السيولة، والناس وسائر المخلوقات لا تنفك من طبائعها المفطورة عليها، وطبائع الأشياء وخصائصها حين تتجلى في سياقات وظروف متكررة تسمى تجلياتها سنة أو قانونًا أو ناموسًا.

قلت: والشاعر عبدالله اللويحان في هذا البيت يقرر هذه الحقيقة, ويؤكد هذا المعنى, وكان قد أسس له بالبيت السابق لهذا البيت, فقال:

والطبع ما ينزال غيره بتبديل

مثل الجدي ممساه ليله نهاره

وكان محمد العبدالله القاضي قد قال قبله:

ترى الطبع عضو ما يزول ولو نزل

زحل منزل المريخ ما افترّ باعسافي

وعبارة (الطبع عضو) مثل معروف, قال الأستاذ عبدالكريم الجهيمان (الأمثال الشعبية 230-4) تعليقا على المثل: بمعنى أنه لا يمكن أن يزول, فالذي يألف شيئا معظم أيام حياته من الصعب أن يقلع عنه, إلا إذا تعرض لضغط شديد يشبه حدود السكاكين التي تقطع بها الأعضاء على رغم الإنسان.. قال الشاعر الشعبي محمد العبدالله القاضي.. ثم ذكر البيت. ا.هـ


يتبع



 توقيع : بداح فهد السبيعي


أكذب عليك إن قلت لك: ما نيب مشتاق=عزالله إن الشوق كفى ووفى
غلاك ثابت داخل أعماق الأعماق=هوهو .. لين آموت والا آتوفى
أسلوب وإحساس وسواليف وأخلاق=ومشاعرٍ كنّي عليها آتدفى..!

خالد الحصين




رد مع اقتباس