نادي الرياض الأدبي يقرأ العاصمة في نصوص الشعر والرواية والرحلات
اختتم أمس الأول أسبوع الرياض الثقافي في النادي الأدبي بعد حضور ونجاح ملحوظ لفعالياته المنبرية التي شملت الأدب والفن والتراث. كثيرون حضروا الندوات الأدبية و تجولوا في المعرض التشكيلي الذي تقوم عليه مجموعة الفن الرقمي بإشراف الفنانة منال الرويشد ويتضمن لوحات تعكس تراث ومعالم الرياض، إلى جانب معرض الدارة الخاص بصور تاريخية ونادرة لها، وندوة خاصة في العرضة السعودية مع تقديمها، منبريا.
عاد النشاط ليتواصل في اليوم الثاني وكان العنوان هذه المرة متصلا بحضور الرياض داخل النصوص الإبداعية شعرا ورواية، إضافة إلى الرحلات، ومن المحور الأخير تحديدا بدأ الدكتور عبد العزيز الهلابي الليلة الثقافية التي أدارها الدكتور محمد الهدلق بتقديم ورقة غنية بالمعلومات التاريخية ومدعومة بالصور تناول فيها حركة الرحلات التي شهدتها الرياض خلال العقود العشر الماضية، مستعرضا عددا من أسماء المستشرقين والتراجم و الحوادث والوثائق المتعلقة بهذا الشأن عميق الصلة بتاريخ المنطقة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، تلت ذلك ورقة الدكتور عبد الله الحيدري التي تناول فيها حضور الرياض في الإبداع الشعري المعاصر، موضحا أن العاصمة تجاوزت دورها الطليعي القيادي سياسيا وثقافيا، لتصبح أيضا رمزا لكل بقعة في المملكة، ومجالا رحبا للشعراء لدرجة أن بعضهم ضمّن اسمها في عناوين الدواوين الشعرية، وفي هذا الصدد درست الورقة عددا من القصائد، ولعل من أول ما يتبادر إلى الذهن هنا قصيدة الدكتور غازي القصيبي ''أنت الرياض''، حيث تمتزج الحبيبة في المدينة فيصبحان شيئاً واحداً، تذكّره المدينة بالحبيبة ، والحبيبة بالمدينة، والحب في النهاية هو الحب نفسه ــ حسبما يراه الشاعر ـ.
تضيف ورقة الحيدري''، وهذا الانصهار الكامل بين الصورتين الذي يؤمن به القصيبي يكشف عن علاقةٍ حميمة ومشاعر صادقةٍ في أعماق قلبه تجمع بين المرأة والوطن، وتُظهر نوعاً من الحرمان الذي كان يعانيه عندما كان بعيداً عن وطنه ، فيمثل حضور المرأة أمام عينيه حضوراً للرياض، ويمثل غيابها نوعاً من الألم والقسوة التي يمثلها غياب الرياض، وتصبح الفتنة والقسوة والنأي سماتٍ مشتركة بين الصورتين يتمخض عنها في آخر الليل امتزاجٌ كامل مع وجدانه وأحاسيسه. يقول :
وفاتنة أنت مثل الرياض ترق ملامحها في المطر
وقاسية أنت مثل الرياض تُعذب عشاقها بالضجر
ونائية أنت مثل الرياض يطول إليها إليك السفر
وفي آخر الليل يأتي المخاض
وأحلم أنّا امتزجنا
فصرتُ الرياض / وصرتِ الرياض
وصرنا الرياض
بجانب التطرق لأسماء عدة منها جاسم الصحيح في قصيدة '' الرياض غادة البيد '' ، والتي يحاول فيها أن يتحدث عن الرياض بأسلوب لا يخلو من فلسفة وتأمل مع عمق في التناول ، وفيها يقول:
تمخضي عن ربيع الوحي يابيد
فالشمس ولاّدة والفن مولود
شوقاً إلى فكرة مافض كرمتها زيف ، ولا زوّرت فيها العناقيد
و نصوص متنوعة لسعود اليوسف وعفاف بخاري وخالد الخنين وعبد الملك عبد الرحيم، ويشير الحيدري في ورقته كذلك إلى الشاعر حسين عرب الذي ذكر في أحدى قصائده عددا من أسماء أحياء الرياض.
على الجانب الآخر، تناولت الأديبة والروائية أميمة الخميس حضور العاصمة في المشهد السردي تحت عنوان لافت هو ''الرياض تلتهم بناتها'' والواقع أن هذه لن تكون الصدمة الذهنية الوحيدة فالورقة التي كانت معنية ضمن المفهوم البدهي لرصد وجود العاصمة في نصوص روائية، تجاوزت ذلك إلى مقاربة الرياض أدبياً وإخضاعها وهي التي ''لا تزيل برقعها إلا بحضرة من ألفت'' إلى عملية قرائية تعاملت معها كنص مستقل وليس كجزئية من نص فقط، فالمدينة هنا لا تشابه المدن التي تلهم الحكائين، إنها ذلك الكيان المؤثر كلياً ، المتمتع بحكم ذاتي وجمعي على النصوص المواجهة، والمثير غالبا لعدد من الأسئلة حول وجود وجه مغيّب معرض جدا لأن يستثار فيعيد ترتيب كل المفاهيم البدهية المتعلقة به.
ضمن هذه الرؤية تنطلق أميمة الخميس بعد أن ألغت مبكرا كل الاحتمالات الاعتيادية حول ورقتها وواصلت فكرتها التي تحتاج إلى قدر مناسب من العمق للتعامل مع الرياض الحالة وليس المكان، حيث هي ذلك النص الرسمي المركزي الذي يعادله كذلك الأدب المؤسسي العام، وحيث سيكون من الطبيعي وجود هوامش تقاوم تلك المركزية أو تحاول التمحور على مرتكزات مضادة له، وقد ربطت الخميس بين ما يوصف بالأدب الهامشي الذي يقوم على مواجهة النص المركزي بالاعتماد على اليومي المعاش وبين حركة ما بعد الحداثة، معلقة هنا ''أننا وصلنا إلى هذه المرحلة دون أن نمر بالحداثة'' .
وقد طرحت الخميس نموذج رواية ''بنات الرياض'' كنص هامشي تمحور حول رؤية معاكسة للنص المركزي فكان التصدي منه قاسياً حين انبرت مؤسساته المختلفة إلى الرد بأشكال مختلفة منها ما هو أدبي متمثل في الكتابة الروائية المضادة ومنها ما هو اجتماعي يتمثل في إشاعة حالة الرفض والاتهام، وهو الاتجاه العمومي الذي لم يكن المشهد الأدبي بمعزل عنه إذ كان الكثيرون يجردون الرواية من كاتبتها أو من كونها رواية أصلا، مشيرة إلى أن الدكتور عبد الله الغذامي تناول هذه الرواية ثقافيا وليس فنياً ولهذا اعتبرها خطابا متمردا على ما يسميه ''ألاعيب المؤسسة الثقافية''.
لتختزل أميمة الخميس فكرتها بالعودة إلى محصلة تجربة بنات الرياض، فتقول ''هي رواية تحدت الرياض في سمتها ووقارها، فالتهمتها''.
الاقتصادية
|