"زلزلة السماء": عالم يمتزج فيه الواقع بالفانتازيا
العرب أونلاين -
خلود الفلاح- تقول الشاعرة إيميلي ديكنسون " عندما تقرأ نصاً فتصيبك تلك الرعشة،فأعرف انك تقرأ شعرأ" ونصوص الشاعر التشيلي فيسنتي هويدوبرو تصيبك بتلك الرعشة، إذ تجد نفسك أمام كتابة مرتبطة بتجاربنا الحياتية.
للشاعر صدر: كهف الصمت_ أغنيات الليل_ معابد خفية_ صعلوك_مرآة الماء_ غابة غنائية_أفق مربع_هلالي_برج ايفل_ استوائي_قصائد قطبية_ خريف منتظم_ فجأة_ رياح غير مواتية_ رحلة بالمظلة- نظر ولمس_ مواطن النسيان_ زلزلة السماء والصادر حديثا عن سلسلة كتاب مجلة شؤون ثقافية الليبية _2009 _ ترجمة عاشور الطويبي.
زلزلة السماء يتضمن نص شعري طويل مفتوح على فضاءات عدة وكأنه الشعر هو الجواب عن كل الاسئلة كالموت والحياة، الذكريات، النسيان، الوحدة، التعب، القلق والتأمل في اسرار الكون.
كم من الاشياء ماتت داخلنا/ كم موت نحمل بداخلنا/ لماذا نربط أنفسنا بموتنا؟/ لماذا نصر على البعث من الموت؟/ إنه يجعلنا لانرى ولادة الفكرة/ نخاف من بزوغ ضوء جديد/ لم نتعود عليه بعد/ مثل حركاتنا الميتة/ متخلصين من كل شيء وخطر المفاجأة،/ لابد للمرء أن يترك الشيء الميت للأحياء.
في العام 1893 ولد فيسنتي هويدوبرو فرنانديس بسانتياغو التشيلي، وفي العام 1948 توفي في بيته بكارتاخينا "قرطاجنة" و حسب مشيئته دفن في مواجهة البحر وكتب على شاهدة قبره"انظر إلى عمق القبر تشاهد البحر".
بعفوية تنطلق مفردات الشاعر وكأنها تفترش الطريق الى القارئ وتتوقع ان يقع في غرامها وهذا ماحدث معي، فهذا اول مرة أقرأ للشاعر فيسنتي، وحتى عندما وضعت اسمه في محرك البحث قوقل لاعرف المزيد عنه وقف القوقل حائراً.
ستجدين أيضا/ الرجل الذي يرمي سنواته/ بعيدا كانها بقايا بالون/ وينشد طيشه بصوت/ محب مكبل ومشبع./ ستقابلين الرجل الذي يعرف كل شيء/ الرجل المنفر الذي لايغفل عن شيء/ودائما عنده إجابة جاهزة/ رجل درس أحشاء الزهرة/ يعرف الماضي والحاضر والمستقبل/ ونسب كل موجة.
في تقديمه للكتاب يقول الشاعر محمد الفقيه صالح يندرج هذا النص الشعري الطويل في باب الشعر الكوني، إذ يتدفق بإيقاع ملحمي جليل، ويموج عالمه بكائنات يمتزج فيها الواقع بالفانتازيا.
ويضيف مذهل هو الشعر في هذا النص وصاعق ومؤلم ونبيل حينما يتدثر بالحقيقة العارية، وكأني به يستنهض فيه وفينا شجاعة مواجهة العبث واليأس واللاجدوى متوسلا الرمز والصورة المدهشة الغريبة والاسطورة والايقاع الهذياني المحموم، مراوحا بين التخفي في سراديب المخيلة الوحشية وذاكرة الوعي الانساني المهجوس بالفجيعة وبين الانكشاف على بساطة حقيقة الموت المرعبة وبداهتها الغامضة بل والصفيقة.
من أجواء الديوان نقرأ:
"دعي ذاكرتك تنسى ذكرياتك/ دعي النسيان يتذكر المنسي/احرصي على أن لاتموتي قبل موتك/مشينا كثيرا/ الاضواء الكاشفة/ بحثت في هذا الاتجاه/ تقاطعت مع بعضها في اللانهاية/ حيت بعضها/ وافترقت إلى الابد.
في الافق تمد الشمس الغاربة يدها/وتنظر نحونا عبر خمس أصابع مبتعدة/ كأعواد العجلة/ ماذا يمكن أن نفعله؟/ فوق الحقل الموحش هناك/ تسقط بيضة النسر/ وهو لايعرف في أي اتجاه يطير/سيكون هذا حقلا للخصوبة لسنوات عدة/ وربما في تلك البقعة بالتحديد/ ستكون عاصمة عظيمة.
لا تخافي/ لنذهب/ إنه زورق الموت/ الوحش الحبيب يقترب/ يأتي ليلحس أيدينا/ الارض وديعة ورقيقة/ كفراش الابدية.
كل عبء لاقيمة له/ فقط الذاكرة/ تبطئ وتنحني إلى الخلف/نحن نعلم أن مطر الارض/سيكون أبديا/نحن نعلم أن الخريف سيكون دائما/ نافورة أوراق حية/شلالا لاينتهي وسط الغصون/ نحن نعلم أن الشتاء سوف يمد قطبه إلى عيوننا/ ورشات الماء تتحول إلى تمثال في منتصف البرية/ أكثر بياضا من القمر."
|