فصل
في قدوم ركب آخر
وأتى فريق ثم قال وجدته*** بالذات موجودا بكل مكان
هو كالهواء بعينه لا عينه***ملأ الخلاء ولا يرى بعيان
والقوم ما صانوه عن بئر ولا*** قبر ولا وحش ولا أعطان
بل منهم من قد رأى تشبيهه*** بالروح داخل هذه الأبدان
ما فيهم ما قال ليس بداخل*** أو خارج عن جملة الأكوان
لكنهم حاموا على هذا ولم*** يتجاسروا من عسكر الايمان
وعليهم رد الأئمة أحمد*** وصحابه من كل ذي عرفان
فهم الخصوم لكل صاحب سنة*** وهم الخصوم لمنزل القرآن
ولهم مقالات ذكرها أصولها*** لما ذكرت الجهم في الأوزان
فصل
في قدوم ركب آخر
وأتى فريق ثم قارب وصفه*** هذا ولكن جد في الكفران
فأسر قول معطل ومكذب*** في قالب التنزيه للرحمن
اذ قال ليس بداخل فينا ولا*** هو خارج عن جملة الأكوان
بل قال ليس ببائن عنها ولا***فيها ولا هو عينها ببيان
كلا ولا فوق السموات العلى*** والعرش من رب ولا رحمن
والعرش ليس عليه معبود سوى العـ***ـدم الذي لا شيء في الأعيان
بل حظه من ربه حظ الثري*** منه وحظ قواعد البنيان
لو كان فوق العرش كان كهذه الـ*** أجسام سبحان العظيم الشأن
ولقد وجدت لفاضل منهم مقا***ما قامه في الناس منذ زمان
قال اسمعوا يا قوم أن نبيكم*** قد قال قولا واضح البرهان
لا تحكموا بالفضل لي أصلا على*** ذي النون يونس ذلك الغضبان
هذا يرد على المجسم قوله*** الله فوق العرش والأكوان
ويدل أن الهنا سبحانه*** وبحمد يلقى بكل مكان
قالوا له بين لنا هذا فلم*** يفعله فأعطوه من الأثمان
الفا من الذهب العتيق فقال في*** تبيانه فاسمع لذا التبيان
قد كان يونس في قرار البحر تحـ***ـت الماء في قبر من الحيتان
ومحمد صعد السماء وجاوز الـ***ـسبع الطباق وجاز كل عنان
وكلاهما في قربه من ربه*** سبحانه إذ ذاك مستويان
فالعلو والسفل الذان كلاهما*** في بعده من ضدع طرفان
أن ينسبا لله نزه عنهما*** بالاختصاص بل هما سيان
في قرب من أضحى مقيما فيهما*** من ربه فكلاهما مثلان
فلأجل هذا خص يونس دونهم*** بالذكر تحقيقا لهذا الشان
فأتى الثناء عليه من أصحابه*** من كل ناحية بلا حسبان
فاحمد الهك أيها السني اذ*** عافاك من تحريف ذي بهتان
والله ما يرضى بهذا خائف*** من ربه أمسى على الايمان
هذا هو الالحاد حقا بل هو التحـ***ـريف محضا أبرد الهذيان
والله ما بلي المجسم قط بمثل ذ*** ي البلوى ولا أمسى بذي الخذلان
أمثال ذا التأويل أفسد هـ***ـذه الأديان حين سرى الى الأديان
والله لولا الله حافظ دينه*** لتهدمت منه قوى البنيان
فصل
وأتى فريق ثم قارب وصفه*** هذا وزاد عليه في الميزان
قال اسمعوا يا قوم لا تلهيكم*** هذي الأماني هن شر أماني
اتعبت راحلتي وكلت مهجتي*** وبذلت مجهودي وقد أعياني
فتشت فوق وتحت ثم امامنا*** ووراء ثم يسار مع أيمان
ما دلني أحد عليه هنا كم*** كلا ولا بشر اليه هداني
الا طوائف بالحديث تمسكت*** تعزي مذاهبها الى القرآن
قالوا الذي تبغيه فوق عباده*** فوق السماء فوق كل مكان
وهو الذي حقا على العرش استوى*** لكنه استولى على الأكوان
واليه يصعد كل قول طيب*** واليه يرفع سعي ذي الشكران
والروح والأملاك منه تنزلت*** واليه تعرج عند كل أوان
واليه أيدي السائلين توجهت*** نحو العلو بفطرة الرحمن
واليه قد عرج الرسول فقدرت*** من قربه من ربه قوسان
واليه قد رفع المسيح حقيقة*** ولسوف ينزل كي يرى بعيان
واليه تصعد روح كل مصدق*** عند الممات فتنثني بأمان
واليه آمال العباد توجهت*** نحو العلو بلا تواصي ثان
بل فطرة الله التي لم يفطروا*** ألا عليها الخلق والثقلان
ونظير هذا أنهم فطروا على*** اقرارهم لا شك بالديان
ولكن أولوا التعطيل منهم أصبحوا*** مرضى بداء الجهل والخذلان
فسألت عنهم رفقتي وأحبتي*** أصحاب جهم حزب جنكيز خان
من هؤلاء ومن يقال لهم فقد*** جاءوا بأمر مالئ الآذان
ولهم علينا صولة ما صالها*** ذو باطل بل صاحب البرهان
أو ما سمعتم قولهم وكلامهم***مثل الصواعق ليس ذا لجبان
جاءوكم من فوقكم وأتيتم*** من تحتهم ما أنتم سيان
جاءكم بالوحي لكن جئتم*** بنحاتة الأفكار والأذهان
قالوا مشبهة ومجسمة فلا*** تسمع مقال مجسم حيوان
والعنهم لعنا كبيرا واغزهم*** بعساكر التعطيل غير جبان
واحكم بسفك دمائهم وبحبسهم*** أو لا فشردهم عن الأوطان
حذر صحابك منهم فهم أضل*** من اليهود وعابدي الصلبان
واحذر تجادلهم بقال الله أو*** قال الرسول فتنثني بهوان
أني وهم أولى به قد أنفذوا*** فيه قوى الأذهان والأبدان
فاذا ابتليت بهم فغالطهم على التأ***ويل للأخبار والقرآن
وكذاك غالطهم على التكذيب للـ***آحاد ذان لصحبنا أصلان
أوصى بها أشياخنا أشياخهم*** فاحفظهما بيديك والأسنان
واذا اجتمعت وهو بمشهد مجلس*** فابدر بايراد وشغل زمان
لا يملكوه عليك بالآثار والـ*** أخبار والتفسير للفرقان
فتصير ان وافقت مثلهم وان*** عارضت زنديقا أخا كفران
واذا سكت يقال هذا جاهل*** فابدر ولو بالفشر والهذيان
هذا الذي والله أوصانا به*** أشياخنا في سالف الأزمان
فرجعت من سفري وقلت لصاحبي*** ومطيتي قد آذنت بحران
عطل ركابك واسترح من سيرها*** ما ثم شيء غير ذي الأكوان
لو كان للأكوان رب خالق*** كان المجسم صاحب البرهان
أو كأن رب بائن عن الورى*** كأن المجسم صاحب الايمان
ولكان عند الناس أولى الخلق بال*** اسلام والايمان والاحسان
ولكان هذا الحزب فوق رؤوسهم*** لم يختلف منهم عليه اثنان
فدع التكاليف التي حملتها*** واخلع عذارك وارم بالأرسان
ما ثم فوق العرش من رب ولم*** يتكلم الرحمن بالقرآن
لو كان فوق العرش رب ناظر*** لزم التحيز وافتقار مكان
لو كان ذا القرآن عين كلامه*** حرفا وصوتا كان ذا جثمان
فإذا انتفى هذا وهذا ما الذي*** يبقى على ذا النفي من ايمان
فدع الحلال مع الحرام لأهله*** فهما السياج لهم على البستان
فاخرقه ثم ادخل ترى في ضمنه*** قد هيئت لك سائر الألوان
وترى بها ما لا يراه محجب*** من كل ما تهوى به زوجان
واقطع علائقك التي قد قيدت*** هذا الورى من سالف الأزمان
لتصير حرا لست تحت أوامر*** كلا ولا نهي ولا فرقان
لكن جعلت حجاب نفسك اذ ترى*** فوق السماء للناس من ديان
لو قلت ما فوق السماء مدبر*** والعرش نخليه من الرحمان
والله ليس مكلما لعباده*** كلا ولا متكلما بقرآن
ما قال قط ولا يقول ولا له*** قول بدا منه الى انسان
لحللت طلسمه وفزت بكنزه*** وعلمت أن الناس في هذيان
لكن زعمت بان ربك بائن*** من خلقه اذ قلت موجودان
وزعمت أن الله فوق العرش والكرسي*** حقا فوقه القدمان
وزعمت أن الله يسمع خلقه*** ويراهم من فوق سبع ثمان
وزعمت أن كلامه منه بدا*** واليه يرجع آخر الأزمان
ووصفته بالسمع والبصر الذي*** لا ينبغي الا لذي الجثمان
ووصفته بارداة وبقدرة*** وكراهة ومحبة وحنان
وزعمت أن الله يعلم كل ما*** في الكون من سر ومن اعلان
والعلم وصف زائد عن ذاته*** عرض يقوم بغير ذي جثمان
وزعمت أن الله كلم عبده*** موسى فأسمعه ندا الرحمن
أفتسمع الآذان غير الحروف والصـ***ـوت الذي خصت به الأذنان
وكذا النداء فانه صوت باجمـ***ـاع النحاة وأهل كل لسان
لكنه صوت رفيع وهو ضد*** للنجاء كلاهما صوتان
فزعمت أن الله ناداه ونا***جاه وفي ذا الزعم محذوران
قرب المكان وبعده والصوت بل***نوعاه محذوران ممتنعان
وزعمت أن محمدا أسرى به*** ليلا اليه فهو منه دان
وزعمت أن محمدا يوم اللقا*** يدنيه رب العرش بالرضوان
حتى يرى المختار حقا قاعدا*** معه على العرش الرفيع الشان
وزعمت أن لعرشه أطا به*** كالرحل أطّ براكب عجلان
وزعمت أن الله أبدى بعضه*** للطور حتى عاد كالكثبان
لما تجلى يوم تكليم الرضى*** موسى الكليم مكلم الرحمن
وزعمت للمعبود وجها باقيا*** وله يمين بل زعمت يدان
وزعمت أن يديه للسبع العلى*** والأرض يوم الحشر قابضتان
وزعمت أن يمينه ملآى من الخيرات*** ما غاضت على الأزمان
وزعمت أن العدل في الأخرى بها*** رفع وخفض وهو بالميزان
وزعمت أن الخلق طرا? عنده*** يهتز فوق أصابع الرحمن
وزعمت أيضا أن قلب العبد ما*** بين اثنتين من أصابع عان
وزعمت أن الله يضحك عندما*** يتقابل الصفان يقتتلان
من عبده يأتي فيبدي نحره***لعدوه طلبا لنيل جنان
وكذاك يضحك عندما يثب الفتى*** من فرشه لتلاوة القرآن
وكذاك يضحك من قنوط عباده*** اذ أجدبوا والغيث منهم دان
وزعمت أن الله يرضى عن أولى*** الحسنى ويغضب من اولى العصيان
وزعمت أن الله يسمع صوته*** يوم المعاد بعيدهم والداني
لما يناديهم أنا الديان لا*** ظلم لدي فيسمع الثقلان
وزعمت أن الله يشرق نوره*** في الأرض يوم الفصل والميزان
وزعمت أن الله يكشف ساقه*** فيخر ذاك الجمع للأذقان
وزعمت أن الله يبسط كفه*** لمسيئنا ليتوب من عصان
وزعمت أن يمينه تطوى السما*** طي السجل على كتاب بيان
وزعمت أن الله ينزل في الدجى*** في ثلث ليل آخر أو ثان
فيقول هل من سائل فأجيبه*** فأنا القريب أجيب من ناداني
وزعمت أن له نزولا ثانيا*** يوم القيامة للقضاء الثاني
وزعمت أن الله يبدو جهرة*** لعباده حتى يرى بعيان
بل يسمعون كلامه ويرونه*** فالمقلتان اليه ناظرتان
وزعمت ان لربنا قدما وأن*** الله واضعها على النيران
فهناك يدنو بعضها من بعضها*** وتقول قط قط حاجتي وكفاني
وزعمت أن الناس يوم مزيدهم*** كل يحاضر ربه ويداني
بالحاء مع ضاد وجامع صادها*** وجهان في ذا اللفظ محفوظان
في الترمذي ومسند وسواهما*** من كتب تجسيم بلا كتمان
ووصفته بصفات حي فاعل*** بالاختيار وذانك الأصلان
أصل التفرق بين هذا الخلق فـ***ـي الباري فكن في النفي غير جبان
أو لا فلا تلعب يدينك ناقضا*** أو ثالث متناقض صنفان
فالناس بين معطل أو مثبت*** نفيا باثبات بلا فرقان
والله لست برابع لهم بلى*** اما حمارا أو من الثيران
فاسمع بانكار الجميع ولا تكن*** متناقضا رجلا له وجهان
أو لا ففرق بين ما أثبته*** ونفيته بالنص والبرهان
فالباب باب واحد في النفي*** والاثبات في عقل وفي ميزان
فمتى أقر ببعض ذلك مثبت*** لزم الجميع أو ائت بالفرقان
ومتى نفى شيئا وأثبت مثله*** فمجسم متناقض ديصان
فذروا المراء وصرحوا بمذاهب*** القدماء وانسلخوا من الايمان
أو قاتلوا مع أمة التجسيم والتشـ***ـبيه تحت لواء ذي القرآن
أو لا فلا تتلاعبوا بعقولكم*** وكتابكم وبسائر الأديان
فجميعها قد صرحت بصفاته*** وكلامه وعلوه ببيان
والناس بين مصدق أو جاحد*** أو بين ذلك أو شبيه أتان
فأصنع من التنزيه ترسا محكما*** وانف الجميع بصنعة وبيان
وكذاك لقب مذهب الاثبات*** بالتجسيم ثم احمل على الاقران
فمتى سمحت لهم بوصف واحد*** حملوا عليك بحملة الفرسان
فصرعت صرعة من غدا متلطيا*** وسط العرين ممزق اللحمان
فلذاك أنكرنا الجميع مخافة*** التجسيم ان صرنا الى القرآن
ولذا خلعنا ربقة الأديان من*** أعناقنا في سالف الأزمان
ولنا ملوك قاوموا الرسل الالى***جاءوا باثبات الصفات كمان
في آل فرعون وهامان وقا***رون ونمرود وجنكيز خان
ولنا الأئمة كالفلاسفة الألى*** لم يعبأوا أصلا بذي الأديان
منهم أرسطو ثم شيعته الى*** هذا الأوان وعند كل أوان
ما فيهم من قال ان الله فو***ف العرش خارج هذه الأكوان
كلا ولا قالوا بأن الهنا*** متكلم بالوحي والقرآن
ولأجل هذا رد فرعون على*** موسى ولم يقدر على الايمان
اذ قال موسى ربنا متكلم*** فوق السماء وأنه متداني
وكذا ابن سينا لم يكن منكم ولا*** أتباعه بل صانعوا بدهان
وكذلك الطوسي لما أن غدا*** ذا قدرة لم يخش من سلطان
قتل الخليفة والقضاة وحاملي الـ*** قرآن والفقهاء في البلدان
اذ هم مشبهة مجسمة وما*** دانوا بدين أكبار اليونان
ولنا الملاحدة الفحول أئمة التـ*** ـعطيل والتسكين آل سنان
ولنا تصانيف بها غالبتم*** مثل الشفا ورسائل الاخوان
وكذا الاشارات التي هي عندكم*** قد ضمنت لقواطع البرهان
قد صرحت بالضد مما جاء في التـ***وراة والانجيل والفرقان
هي عندكم مثل النصوص وفوقها*** في حجة قطيعة وبيان
واذا تحاكمنا فإن اليهم*** يقع التحاكم لا الى القرآن
اذ قد تساعدنا بأن نصوصه*** لفظية عزلت عن الايقان
فلذاك حكمنا عليه وأنتم*** قول المعلم أولا والثاني
يا ويح جهم وابن درهم والألى*** قالوا بقولها من الخوران
بقيت من التشبه فيه بقية*** نقضت قواعده من الأركان
بنفي الصفات مخافة التجسيم لا*** يلوي على خبر ولا قرآن
ويقول أن الله يسمع أو يرى*** وكذلك يعلم سر كل جنان
ويقول أن الله قد شاء الذي*** هو كائن من هذه الأكوان
ويقول أن الفعل مقدور له*** والكون ينسبه الى الحدثان
وينفيه التجسيم يصرح في الورى*** والله ما هذان متفقان
لكننا قلنا محال كل ذا*** حذرا من التجسيم والامكان
|