في بيت من اللزوميات يُخاطب المعري نفسه مُعتبراً أنه أقل من الكلب:
سُببت بالكلب فأنكرته
والكلب خير منك إذ ينبحُ
وأغلب الظن أن هذا البيت يتضمن إشارة إلى حادث مُعين، إلى مناسبة محددة استثنى فيها المعري نفسه، وربما دون قصد منه، من هوية الكلب. وقع ذلك حسب ياقوت في مجلس للمرتضى السالف الذكر، قبل أن يجري لهما ما جرى بسبب المتنبي:
"ودخل على المرتضى أبي القاسم فعثر برجُل، فقال المرتضى:
من هذا الكلب؟
فقال المعري: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً"!
من هذا الكلب؟ السؤال ليس موجهاً بحصر المعنى إلى المعري، وإنما للحاضرين.
وصيغته تُنحي المعري جانباً وتقصيه، وعلى كل حال فالكلب لا يفهم الخطاب المبين ولا يكلمه أحد إلا مجازاً.
إن هذا السؤال يؤكد تضامن الرجل مع الحاضرين:
نحن آدميون، أما هو فمن جنس مختلف، من فصيلة الكلاب، ولا شك أنه وهو يفوه بشتيمته نظر إلى الرجال الآخرين الذين يشاطرونه نعمة البصر.
لكن الكلب سينتفض ويرد على الرجل، ليس بالنباح أو العواء، وإنما بكلام عربي مبين:
"فقال المعري: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً".
إنه رد لاسع جارح، رد قطع لسان الرجل وتركه يتميز من الغيظ. فمن الواضح أنه أُفحم ولم يعد بإمكانه أن ينبس ببنت شفه، لقد فقد القدرة على النطق، هو الذي كان يعتز بآدميته، فلم يعد بإمكانه أن يصدر إلا أصواتاً بهيمية نكراء. صار كلباً لأنه عجز عن ذكر أسماء الكلب.
أما المعري فلقد استرد إنسانيته بتلميحه إلى قوة حفظة وسعة اطلاعه على اللغة ودقة معرفته بها. كيف يجوز أن يوصف بالكلب وقد قضى عمره يدرس اللسان والبيان، أي ما يميز الإنسان عن الحيوان؟
فمعرفة الأسماء هي أكبر تعريف للإنسان وأوضح
دليل على رفعته وتفوقه وسيادته.
المعري يعرف إذن سبعين اسماً للكلب، لم يتعلمها بصفة آلية اعتماداً على لائحة معينة ومقررة سلفاً من الكتب، إن بوسعه عرضها مع ذكر المواضع التي ترد فيها، والشواهد الشعرية التي تشكل سياقها. وهكذا فإن الرسالة التي وجهها إلى خصمه هي أن له إحاطة كاملة بشعر القدماء، وبالعلوم المتعلقة به من نحو ومعجم وعروض وأدب، والحالة هذه أن من يعرف سبعين اسماً للكلب، لقادر على ذكر أسماء المخلوقات الأخرى.
.... يتبع